أبو الحسن العامري
429
رسائل أبو الحسن العامري
تعذر الغلبة ووقوع الأمر بالضد ؛ فإنها تجلب الشماتة ورغم « 20 » الأصدقاء . فأما لذة الحكمة فهي صافية ، حقيقية ، مستتبعة لسائر اللذات إذ هي بأجمعها لهذه اللذة كالظلّ من الشخص . وهذه اللذة الواحدة هي اللذة الخالصة الخاصّة بجوهر الانسان بما هو إنسان . وأعني بهذا أن اللذات الأخر واصلة اليه لا بما هو إنسان بل بما هو حيوان . وكلّ لذة لم يكن خلوصها له من حيث هو إنسان فليس يعدّ العمر المصروف إليها عمرا مختارا لذاته « 21 » بل هو مختار لغيره . - ومن قطع عمره عن ذات نفسه فقد ماتت همّته الانسانية وقد خلصت عيشته للخاصة الحيوانية . ومن رضى لنفسه بمثل هذه الحال فقد صار ظالما لها لأنه يستفسد جوهرا خلقه اللّه تعالى لأشرف الأغراض وأجلّها ، ويظهر من نفسه أنه ليس بمستأهل للاحسان إليها ؛ وهذه هي الشقاوة التامة . فالسعادة إذن بالضدّ من هذه الحالة . فالسعيد إذا من عرف جوهره ؛ وعرف كماله الأخصّ به ؛ وصرف سعيه إلى تحصيله ؛ فيصبح ملتذّا بجوهره ؛ مغتبطا بما أوتيه من فضيلة ذاته ؛ مسعودا بما يناله من الزلفى إلى من له الخلق والأمر والطوبى في بقاء الأبد . وليس يظفر بهذه المرتبة الا من أيقن أنه لا راحة لمن تعجّل الراحة ؛ ولا لذة لمن انهمك في اللذة ؛ ولا مهنأ لمن أولع بطلب الثروة ؛ ولا عزّ لمن تذلل في طلب الرئاسة ؛ ولا ملك لمن كان عبدا لشهواته ؛ ولا شرف لمن صار آلة لبطنه وفرجه ؛ ولم يبلغ التمام من لم تكن سيرته على نظام « 22 » . [ وقال في بعض كتبه في صفة الباري ] : - ظهوره منع من إدراكه لا خفاؤه . أنظر إلى الشمس هل منعك من مقابلة قرصها إلا سلطان شعاعها ، وانتشار نورها ؟ ! « 23 » . [ في النفس ] سأل أبو الفتح ذو الكفايتين أبا الحسن العامري : « لم طلبت النفس الفرق بين المتشابهين » ؟ ، فقال العامري : لأنها في جوهرها ، وما هو لائق بها ، تأبى الكثرة ، وتنفر منها ؛ وهي تحنّ إلى الوحدة بسوسها ، وتنزع نحوها ، وتتقبل كلّ ما أعانها على ذلك ،
--> ( 20 ) الرّغم : الكره . ( 21 ) ص : بذاته . ( 22 ) مسكويه : الحكمة الخالدة ، ص 358 - 371 . ( 23 ) أبو سليمان المنطقي السجستاني : صوان الحكمة ، ص 136 .